مظاهر من الحضارة القرطاجية بالمغرب القديم (814 ق ،م – 146 ق ،م )

2

بقلم الأستاذ :عبد الجليل الوالي

 

يعتبر تأسيس مدينة قرطاجة أهم حدث تاريخي في مسار التوسع الفينيقي في الحوض الغربي للبحر المتوسط،وحتى على بلاد المغرب الذي يبدأ تاريخه منذ هذه الفترة الحاسمة، وتكمن أهمية المدينة الجديدة التي أطلق عليها الإغريق اسم كارشيدون بالدور الكبير الذي لعبته على الصعيد الإقليمي والدولي بناءا على المكانة الريادية التي حققتها في المجالات السياسية العسكرية والاقتصادية تجاه بقية المراكز والمرافئ الفينيقية في المنطقة إلى غاية سقوطها في أيدي الاحتلال الروماني

1- أصل التسمية والموقع: 

أطلق الفينيقيون تسمية قرطاجة والتي تعني “قرت” اي المدينة و”حدشت” اي الجديدة و يصبح المعنى المدينة الجديدة، وتبعد قرطاجة عن المستوطنة الفينيقية “اوتيكا” اي المدينة العتيقية 30 كلم وهي حاليا في شمال تونس، لم يكن اختيار موقع مدينة قرطاجة محض صدفة من قبل الفينيقيين الذين يعرفون المنطقة جيدا بحكم انهم اسسوا فيها مدن تجارية كأوتيكا، لهذا  اختاروا موقع استراتيجي لبناء مدينة قرطاجة مقابلة للبحر على حدود هضبة بيرصة، ولا تتصل باليابسة الا عن طريق برزخ ضيق وبهذا كانت قرطاجة محصنة طبيعيا مثل المدن الفينيقية في الشرق الأدنى

2- تأسيس قرطاجة : 

تشير عدة مصادر كلاسيكية أدبية لتأسيس قرطاجة، والتي منها فيلستيوس السرقوسي القرن 04 ق.م، حيث نقل عنه أبيانوس واودفيسوس، وكذلك تيمايوس في القرن 04 ق.م، حيث أشار  إلى أن قرطاجة أسست في السنة الثامنة والثلاثين قبل الأولمبياد الأولى اي سنة 814 ق.م، من قبل الأميرة عليسا ديدون، غير أن معظم المؤرخين إستندوا الى المؤرخ يوسيفوس القرن الأول ميلادي الذي بدوره استند إلى ميناندروس الأفسسي الذي يعتقد انه اطلع على الحوليات الملكية لصور، أما فيما يخص أسطورة التأسيس فتعود للمؤرخ يوستينوس، ورغم ما يقال حول ميثولوجيا تأسيس قرطاجة إلا أن الدراسات الحديثة تشير بان تأسيسها كان مدروس ومخطط له وليس محض صدفة و الدليل هو موقعها الاستراتيجي وقربها من مستوطنة فينيقية أخرى وهي اوتيكا.

3- التنظيم السياسي القرطاجي: 

أشاد الفيلسوف الإغريقي أرسطو بالنظام السياسي القرطاجي وقال إنه أفضل دساتير العالم وفضله حتى على النظام السياسي في إسبرطة واثينا، وقد حكم قرطاجة ثلاثة أسر هي العائلة الماغونية و الحنونية والبرقية، ومر تاريخ النظام السياسي القرطاجي باربعة مراحل هي :

أ- المرحلة الاولى(814-550 ق.م) : حيث كان النظام  امتداد لنفس نظام الحكم الفينيقي، حيث تختار الأسر الغنية الملك، وبدأت تظهر قرطاجة في هذه الفترة كقوة بحرية حيث ردت هجوم إغريقي على اقليم طرابلس.

ب- المرحلة الثانية(550-480 ق.م): 

وهي مرحلة الأسرة الماغونية التي حكمت قرطاجة طيلة ثلاثة اجيال من ماغون الى أملكار وصدربعل وحدثت خلالها حروب صقلية وخسرت خلالها قرطاجة معظم أسطولها في معركة هيميرا، كما ظهر خلال هذه الفترة طبقة جديدة من ملاك الأراضي التي حولوها فيما بعد إلى إقطاعيات شبه مستقلة وضغطوا على الملك لتقليص سلطته وإشراكهم في الحكم.

ج- المرحلة الثالثة(480-290 ق.م): مرحلة سيطرة اسرة آل حنون حيث قامت بثورة شاملة ضد الحكم الفردي المطلق وظهور خمسة هيئات سياسية جديدة تولت امور الدولة بدلا من اسرة

ماغون وهي :

  1. الملكان(الشفطان): تتركز السلطة المباشرة في ايديهما وينحدرون من أرقى العائلات وينتخبان لمدة عام
  2.  مجلس الشيوخ : يتكون من 300 عضو يتم إختيارهم لمدى الحياة من الطبقة الثرية يسيرون شؤون الدولة العليا يقررون السلم والحرب، ويعينون قادة الجيش

ويعزلونهم ولهم الحق في عقد جلسات سرية

  1.  محكمة المائة : تلي في الأهمية مجلس الشيوخ تتكون من 104 عضوا يتم انتخابهم حسب الكفاءة
  2.  الجمعيات السياسية والدينية : هي جمعيات تعتبر اقساما وشعبا انتخابية .

5-  مجلس الشعب : هيئة منتخبة من المواطنين تعرض عليها جميع المسائل التي لم يتم الاتفاق فيها بين الملكين ومجلس الشيوخ وتكون لها الكلمة النهائية و بهذا تعتبر قرطاجة اول الحضارات التي عاشت تجربة النظم الشعبية الخالصةكما تم خلال هذه المرحلة صدور دستور قرطاجة سنة 340 ق،م.

د- المرحلة الرابعة(290-146 ق.م) : جمعت بين مظاهر الفترة الثانية والثالثة

وتركزت السلطة في يد آل برقة إلى جانب المجالس والهيئات السياسية على النحو الآتي :

  1.  السلطة العليا : في يد آل برقة الذين حكموا بمثابة ملوك لكن لقب الملك كان وظيفة وليس حكم شامل
  2.  مجلس الشيوخ : شبيه بالمرحلة السابقة لكن تم تحديد صلاحيته بسبب ان حكام هذه الفترة كانوا يعتمدون على الغوغاء بدل الطبقة الثرية وكانت قرارات هذا المجلس قد أدت لإنهيار قرطاجة بعد تخوين القائد حنبعل الذي فر من قرطاجة بعد اتفاقية زاما المذلة ومحاولة تسليمه لروما .
  3.  الهيئات الشعبية : اعتمد عليها آل برقة من أميلكار الى حنبعل لمواصلة القتال ضد روما وأبرزها هيئتان:
  1.  مجلس الثلاثين : يتولى فرض الضرائب و الموازنة المالية
  2.  مجلس العشرة : يتولى شؤون المعابد الدينية والقضاء والشؤون الداخلية

4- مظاهر التأثير القرطاجي في بلاد المغرب القديم:

1- عوامل التفاعل الحضاري : هناك عدة عوامل اساسية لهذا التفاعل منها

  1.  العامل التاريخي: نقصد به طول الفترة الزمنية للإستقرار الفينيقي القرطاجي في بلاد المغرب القديم
  1.  العامل الجغرافي: الذي يتمثل في المدن والموانىء التجارية ودورها في التجارة بين الشعبين
  2.  العلاقات بين الطرفين: وذلك في ميادين ومجالات مختلفة منها السياسية والعسكرية والإقتصادية والإجتماعية التي ألمت بين الشعبين القرطاجي والمغاربي.

2- القرطاجيون والمغاربة :

العلاقات السياسية والإجتماعية بين الشعبين:

اتسمت علاقة القرطاجيين مع المغاربة في بداية الأمر بتفاهم وكانت قرطاجة تدفع ضريبة سنوية للسكان المحليين من بداية تأسيسها إلى غاية القرن 05 ق،م، مقابل استغلالها للمواد الخام في المنطقة بهذا نلاحظ أن العلاقة كانت مبنية على تبادل مصلحة بين الطرفين، تغيرت علاقة القرطاجيين بالسكان المحليين عندما أنهت التزامها الضريبي نحو المغاربة وتأزمت العلاقة اكثر عندما دخلت قرطاجة في صراع مع الإغريق خاصة بعد خسارتها معركة هيميرا سنة 480 ق.م، حيث تغيرت معاملتها مع الليبيين وبدأت سياسة جديدة مع السكان المحليين وهي التجنيد في الجيش مقابل المال، وقد شارك الليببين كمرتزقة في حروب قرطاجة ضد اليونان وروما ونتيجة لعدم دفع قرطاجة لأجور هؤلاء الجنود الليبيين إثر خسارتها لعدة حروب ثار عليها هؤلاء أدت الى نشوب حرب مدمرة بينهم وبين قرطاجة سنة 241 ق.م عرفت بحرب المرتزقة.

 

3- مظاهر التأثير القرطاجي على المغاربة :

 

  1.  التأثير القرطاجي في مجال الزراعة : ان وجود الزراعة في بلاد المغرب القديم يعود لفترة قديمة جدا، رغم ان المصادر الأدبية لم تتفق على رأي واحد فهناك من المؤرخين من يقول أنها غير موجودة مثل أبيانوس وبوليبيوس وان أرض نوميديا عقيمة لا يمكنها إعطاء منتوج زراعي، من جهة أخرى نجد بعض المصادر التي تشير إلى أن الزراعة كانت معروفة عند الليبيين منذ زمن بعيد لكنها اقتصرت على الحبوب أمثال هيرودوت الذي قسم القبائل الليبية إلى قسمين فلاحين مستقرين ورعاة مرتحلين.

اما دور الفينيقيين والقرطاجيين فكان المساهمة فيها وتطويرها عن طريق استصلاح الأراضي وآلات الحرث والدرس وتخزين المياه وتطعيم أشجار الزيتون والكروم المحلية

  1.  التأثير القرطاجي في المجال الديني : أشارت نقوش كثيرة الى وجود آلهة محلية فقد عبد الليبيين الشمس والقمر إضافة الى آمون وتانيت اللذان أصبحا من الآلهة الكبرى في قرطاجة التي كانت منفتحة على التأثيرات المحلية وكذلك الامر بالنسبة لليبيين.
  1.  التأثير القرطاجي في اللغة والكتابة : اللغة التي تكلم بها القرطاجيون في البداية هي اللغة الفينيقية لكن فيما بعد و نتيجة التفاعل مع السكان المحليين تأثرت اللغة الفينيقية باللغة الليبية في مفرداتها  وتراكيبها اللغوية ونتج عن هذا التصاهر بين اللغتين لغة جديدة تسمى البونيقية أو البونية واصبحت هي اللغة الرسمية بدواوين الحكومة القرطاجية وكذلك الممالك النوميدية حيث ضرب الملوك عملاتهم النقدية بالكتابة البونيقية

Laisser un commentaire