سوق البويرة خلال السبعينيات مشاهدات في مدينة قديمة

6

بقلم: أحمد قصوري

 

كان سوق البويرة خلال السبعينيات من القرن الماضي، يضج بالمداحين والعطارين والسحرة. وكان الناس ينتظرون يوم السبت ـ موعد السوق ـ بشغف، من أجل الفرجة والترويح عن النفس. وكان هناك ساحر معروف يتردد على السوق آنذاك، اسمه أحمد العزام.

من هو هذا الساحر، وكيف عرفته ؟

استيقظت في ذلك السبت كالعادة قبل أذان الفجر بقليل، وانتظرت. لم يكن هناك منبه، ولا أملك ساعة، ولم أكن في حاجة إلى من يوقظني. كنت تلميذا  في ثانوية عبد الرحمن ميرة، وكانت عطلة الصيف، في منتصف السبعينيات. ومن سنن العطلة آنذاك أن لا ننام، وإذا نمنا لا ننام إلا بمقدار، ثم ننهض وننطلق في دنيا الله. تقلبت في الفراش قليلا، وما أن سمعت خشخشة في مكبر صوت الجامع، تشبه صوت بداية الرعد عندما ينبت في كبد السماء، انتفضت.. بعدها سعل “سي عُمر” مؤذن جامع بن باديس، سعلتين متتاليتين في الميكروفون غطتا على أحياء المدينة كلها، وراح يتمتم بشيء يشبه المعوذة، أو البسملة، ثم شرع في الآذان..

قبل أن ينتصف الآذان، كنت قد غسلت وجهي، وارتديت الحذاء، وقفزت إلى الشارع. ثم هبطت مع شارع عميروش (شارع فوش سابقا)، وعبرت مقهى “سناك بار” الذي كان مغلقا. وعند مستوى حانة “مادلين” كان الآذان قد انتهى، ولمحت اللقالق على أشجار حديقة “السيكوار”  تفرد أجنحتها في تكاسل فوق أعشاشها الكبيرة، استعدادا ليوم جديد من التحليق، والبحث عن الرزق..

لم أكن أصلّ، ولا أعرف أحدا يُصل في ذلك الزمان، ما عدا أمي. كان الشارع الذي قطعته خاليا، إلا من قطط تمزق السكون بموائها الحاد والمزعج، وهي تتشابك حول بقايا الطعام في دلاء النفايات أمام الأبواب. لكن ما أن انحدرت أكثر نحو “لابلاص” مركز المدينة، حتى استقبلتني الجلبة، فابتهجت..

فجر الحياة في البويرة يبدأ دائما في ساحتها المركزية “لابلاص”، وبالذات في مقهى “الريزيستانس” وهو أكبر مقهى ـ وأقدمها ربما ـ وأول من يفتح أبوابه في البويرة. وعندما اقتربت أكثر، بدأت تتضح الأحاديث:

ـ صباح الخير

ـ خير وعافية

ـ نهارك مبروك

ـ نهارك سعيد

ــ يا فتاح يا رزاق..

اشتريت فطيرتي “خفاف” في محل التونسي، وثلاثة سجائر ” أفراز” بأربعة دورو من كشك ملاصق يسيره تونسي آخر. وما أن عتبت باب مقهى “الريزيستانس” حتى لعلعت الضحكات في الركن المقابل، عند الدهليز المظلم، المفضي إلى دورة المياه. فانتبهت..

كان بعض الشبان جالسين، يحيطون بواحد منهم حدهم، يبدو أكبرهم قليلا في السن. وكانت على الطاولة أكواب القهوة بالحليب، بعضها فارغ، والبعض الآخر في المنتصف، وعدد من فطائر “الخفاف” على ورق أبيض التصق تماما بسطح الطاولة، لانغماسه في الزيت..

كانوا يأكلون ويتحدثون ويضحكون..

عندما اقتربت وجلست قبالتهم، بدا لي الشخص الذي في وسطهم قصير القامة نسبيا، ومائل إلى البدانة، ولا تظهر له رقبة. كان رأسه المستدير مثبتا بين كتفيه مثل الكرة، ووجهه تكاد تبتلعه لحية سوداء. كان يتحرك خفيفا في بذلة صيفية (شنغهاي) زرقاء، من تلك التي يلبسها الحواتون في المدن الساحلية.. وكانت عيناه ذكيتان وفي صوته بُحة جذابة. ولاحظت أنه ما أن يتفوه بكلمة، أو يأت بحركة، حتى ينفجر الباقون من حوله ضحكا، ويضربون بقبضاتهم على  الطاولة من نشوة المرح، وتنقلب  الكؤوس على نفسها، وتتوزع بقايا السوائل على سطح الطاولة. أما هو فبالكاد كان يبتسم..

إنه أحمد العزام، الساحر المعروف، وفي تلك اللحظة تعرفت عليه لأول مرة..

بعدها، غادر هو، وغادرت جماعته المقهى.  انتقلت أنا إلى طاولة محاذية للباب، بحيث أراقب وصول جريدتا “الشعب” و”المجاهد”، في مكتبة “بلقصة”، الواقعة عند الزاوية  المقابلة، في ناصية الشارع النازل نحو السوق.

قرأت شيئا في الجريدتين، وطويتهما على أربع، وحشرتهما في بطني تحت القميص.  دخنت السجائر الثلاثة مع فنجان القهوة، وما أن اقتربت الساعة الثامنة، حتى انطلقت نحو السوق للبحث عن حلقة أحمد العزام..

 

شغف من نوع خاص

كان أكثر الناس شغفا بالسوق آنذاك هم سكان الريف. يوم السبت تمتلئ بهم المدينة، وهم يهبطون من آث مدور، وآث لعزيز، ومركالة، وعين بسام، وآث يعلى، والبراكة، وعين الحجر، والقصر.. منهم من يحمل صفيحة زيت زيتون، أو قفة رمان، أو سلة بيض، أو دجاجة.. يبيعونها ليدخلوا السينما، ويشتروا حاجاتهم من القهوة، والسكر، وحجر الراديو (البطاريات)، ونبتة التبغ التي يصنعون منها “الشّمة” بأنفسهم وبطريقتهم التي يتقنونها في القرى..

كان أحمد العزام معروفا ببعض ألعابه السحرية، لكنه يمارس الطب التقليدي أحيانا، ويبيع الأعشاب  والعقاقير. لكن فوق ذلك كله، والأهم من ذلك كله، أنه منشط بارع للحلقات، وفنان يعرف كيف يخاطب الجمهور، وينتزع منه الضحكات..إنه نجم السوق الذي كان يحلق حوله المحلقون في تلك الأيام. عندما وصلت إلى الحلقة في الطرف الجنوبي للسوق، عند رحبة الدواب، كان المشهد قد انطلق منذ أكثر من ساعة..

أذكر أن شهر رمضان كان حينها على الأبواب. ورمضان عندنا كما تعلمون، هو شهر الأكل والنوم. !!الويل لمن  تتخل عنه المعدة في هذا الشهر

وأحمد العزام الخبير في اقتناص الفرص، جاء اليوم بدواء جديد لتصليح الخلل في المعدة، اسمه “الفيدونج”، والكلمة مأخذوة من اللغة الفرنسية كما ترون. vidange

وأنا سمعته باندهاش في تلك الصبيحة، كيف كان يشرح للحاضرين، أن أحشاء الإنسان في الواقع هي محرك، وهي مثل أي محرك، تحتاج إلى عناية، وإلى تنظيف دوري. ثم دس يده في حقيبة كبيرة أمامه، وأخرج عددا من الزجاجات الصغيرة (زجاجات الحقن التي يجمعها له الأطفال من نفايات المستشفى) كان قد ملأها بسائل بني غامق، وقال:

ـ هذا هو الفيدونج

ثم راح يتحدث عن طريقة الاستعمال. وقال أن على الشخص الذي يتناوله أن لا يرتبك. لأن لهذا الدواء، ككل دواء، مضاعفات. فحين يتناوله الشخص، سيجد نفسه في دوامة من الذهاب والإياب إلى المرحاض، وقد يستغرق الأمر ساعات بأكملها. ذلك أن عملية الغسل الشامل، كما قال،  تنطلق في الجسم، ولا تتوقف حتى تصبح الأحشاء كلها نقية ww.. ..مثل محرك خارج لتوه من المصنع..

هو يعرف طبعا أن جمهوره في الغالب قادم من الريف. والناس في الريف لا يعرفون المرحاض، فتوقف عند هذه المسألة بالذات، واستغرق في حكاية حدثت له شخصيا، بحسبه. قال أنه اضطر يوما إلى المبيت عند العائلة في العاصمة. وهي عائلة تتألف من اثني عشرة فردا، ويسكنون في شقة تتكون من غرفتين..

ـ كيف يعيشون، وكيف ينامون ؟ لست أدري، قال العزام..

ثم واصل الحكاية، قائلا أن المرحاض عندهم ضيق جدا ومحشور بين الغرفتين. والعجيب أيضا أن سكان العاصمة هؤلاء، بالرغم من ضيق المكان، تمادوا في الفانتازية، وركبوا مقعدا إنجليزيا..

وحكى أنه قضى ليلة عسيرة. فبالرغم من أنه انتظر حتى نام الجميع ليدلف بحذر شديد إلى ذلك المرحاض بعد منتصف الليل، إلا أنه ما أن دخل حتى خرج منه بسرعة، ولم يفعل شيئا. فالمرحاض كما قال، بالرغم من ضيقه، ليس فيه أي منفذ للتهوية..

ـ ومن أين تنفذ الأصوات إذا ؟ تساءل أحمد العزام

هكذا قضى الليل كله واقفا، يعد الدقائق في انتظار ساعة الفجر، ليسرع إلى شاطئ البحر أسفل باب الواد، ويندس بين الصخور..

ثم عاد إلى جمهوره في الحلقة ليقول:

ـ أقسم بالله أنكم محظوظون في الريف. تنطلقون في الفضاء الرحب، لا حدود، ولا جدران تحد من حريتكم، أو تكتم على أصواتكم..

وانفجر الضحك في الحلقة طبعا، وما أن حل الهدوء قليلا حتى أضاف:
ـ أنا لا أفهم يا الخاوة، كيف يجلس البعض في تلك المراحيض لمدة ساعة أو أكثر..
ثم أردف
ـ كاين اللي تحلالو القعدة، ويقرا الجرنان يا السي…الله لا تربّح اللي خطط للمراحيض في وسط البيوت، وزاد صنع لها مقعد إنجليزي..
وينفجر التصفيق، والضحك ككل مرة..
وأحمد العزام لا يتوقف أبدا عن التصعيد في المواقف، وتكثيف الصور الطريفة لإشاعة جو المرح. ثم  أنه يغتنم في كل مرة، اللحظات التي يصل فيها تأثيره في الحلقة إلى الذروة، فيتعمد السخرية على بعض الرواد، بل يستفزهم أحيانا..

عندما اشتكى له فلاح بسذاجة، تجربته مع أدوية كثيرة اشتراها في هذا السوق، ولم تنفع، وتساءل:
ـ فماذا لو اشتريت دواءك هذا، وتبين أنه بدون فعالية أيضا ؟
ـ هاو “كيفان لعمامرة” قدامك..قال له أحمد العزام، وهو يشير إلى المقبرة على الربوة المواجهة للسوق.
لكن الناس، بالرغم من ذلك يضحكون ويشترون..
وبعد لحظات، رأيت عملاقا حقيقيا يتقدم إليه، ويطلب زجاجة. فحملق فيه أحمد العزام مليا، وقال:
ـ قرعة واحدة ؟؟ أنت كاميو (شاحنة) أربع قرع وياربي..
أنا توجست، وتوقعت ردة فعل عنيفة، فالرجل في قوة بغل..
لكن، ما أن انفجرت الحلقة في الضحك، حتى راح ذلك “الكاميو” يضحك مع الضاحكين..كأن الأمر لا يعنيه..
كانت الساعة تقترب من العاشرة، وبدأت حرارة الشمس تلسع الأجساد.  ثم أن  العزام يعرف الوقت  المناسب الذي ينهي فيه كل شيء. لأن الناس لابد أن ينصرفوا إلى شؤونهم.  وأحمد العزام صاحب التجربة بالأسواق، يعرف أيضا، أن عليه  ان يختم الحلقة بنفسه، قبل أن يشرع  الحضور في الانصراف الواحد تلو الآخر، ويحد نفسه وحيدا في  المكان . والآن  لم يتبق من الدواء في الحقيبة سوى أربعة أو خمسة زجاجات، وكان لابد من تصريفها..

 

شخوص و أمكنة

 

وحدث أن رأى (ولعله أوهم الناس أنه رأى؟) شخصا مترددا بين الواقفين..فراح يخاطبه لكن دون التوقف عن الدوران داخل الحلقة، ودون أن يتوجه إلى شخص بعينه:

ـ من الصبح وانت تزيّر على يمات الدراهم هذوك في جيبك..نشري، ما نشريش.. الله لا اشريت..
ثم بعد أن دار دورة كاملة داخل الحلقة، عاد إلى نفس المكان لإقناع الناس انه يخاطب شخصا بعينه فعلا، وهو يقول:
ـ تحسب تديهم معاك كي تموت ؟ تدّي النَّمْ..
هكذا هو أحمد العزام، وهكذا أحبه الناس. يكسر القواعد، والأعراف،  ولا يأبه لأي مانع،  وينطلق بالحلقة في  سماء  الحرية، والمتعة. إنه يصدم، ويسخر، ويستفز، ويخترق المحضور، وهم يضحكون..

مجتمع الريف كان منغلقا جدا على نفسه. والناس يئنون تحت وطأة التدين الملتزم، والتقاليد الصارمة، والعادات، والأعراف. كان المداحون هؤلاء، والسحرة، يحررون الناس من قيود المجتمع، وينططلقون بهم  في فضاء الحرية، لينسوهم واقعهم المرير ولو لبعض الوقت..
وذات يوم سمعنا أنه توفي في حادث، وهو في حدود الأربعين من العمر. لقد مر في هذه الحياة مثل ظل هارب. بالكاد استطعنا أن نمسك بشيء من ملامحه، وبخيط باهت من حضوره الجميل في السوق.
وأنا عندما أفكر اليوم في تلك المشاهدات، أجد أنها كانت مدهشة حقا. كانت عناصر الاتصال التي يتحدث عنها خبراء اليوم كلها مطروحة أمامنا (إحداث الصدمة، المفاجأة، إثارة الاهنمام، التشويق، الإبهار، بساطة الأسلوب واللغة ، استخدام لغة الجسم، وملامح الوجه، والعيون..) . طبعا لم يذهب أحمد العزام إلى المدارس والجامعات، لكن الحياة علمته أن النجاح، مرتبط بمدى إتقانه للحرفة. والسوق لا يرحم، والجمهور لا يجامل..

 

Laisser un commentaire