الكتابة التاريخية حول منطقة الجلفة إلى أين؟ بين حقيقة الوقائع و ظلم التأريخ .

16

الدكتور مصطفى داودي

 

تُعد منطقة الجلفة من المناطق التي اكتست أهمية متميزة في الكثير من الأحداث التي مرّ بها تاريخ الجزائر و ذلك بالنظر لموقعها الاستراتيجي الذي شكّل لها أهمية بالغة، باعتبار أن للموقع دور في إعطاء المكانة التاريخية في مختلف الحقب الزمانية، وهذا ما دلّت عليه الآثار الموجودة بالمنطقة من ما قبل التاريخ، والتي صوّرت طبيعة الحياة وتنوعها واكتساب الإنسان فيها حب التجمع الذي كان نتاج يقين أنه بدونه لا يمكن مواجهة التحدّيات المختلفة. وهذا ما جعله يقيم النواة الأولى للتجمعات العمرانية حيث وجدت عدة منشآت في منطقة “زكار” وبين مدينتي “عين معبد والجلفة” تتمثل في قصور أو بقايا مدن، مرورا بالعصر القديم الذي أدرك فيه الرومان أهميتها في وضع خطهم الدفاعي المعروف بخط (الليمس) لمواجهة القبائل المتربصة بهم في الكثير من النقاط وحماية مكتسباتهم الاحتلالية، لتتشرّف بعد ذلك هذه المنطقة بمرور جيش الفتح الإسلامي بقيادة “عقبة بن نافع الفهري” (1 ق.هـ – 63 هـ) عبر ترابها بعد تعيينه للمرة الثانية لقيادة عملية الفتح الإسلامي سنة ( 62 هـ )…

وقد انطلق القائد “سيدي عقبة” من القيروان مرورا ببلاد الزاب (بسكرة) ثم منطقة الجلفة، ومنها مباشرة إلى منطقة تاهرت التي خطب فيها أمام جنوده حينما قابله البربر ومن حالفهم من الروم فيها، تحفيزا وتشجيعا على الثبات والصبر فقال: (… و أنتم اليوم في دار غربة، وإنما بايعتم اليوم رب العالمين، وقد نظر إليكم في مكانكم هذا، ولم تبلغوا هذه البلاد إلاّ طلبا لرضاه، وإعزازا لدينه، فأبشروا فكلما كثر العدو كان أخزى لهم وأذل ..). وفيها حقق له الله النصر فواصل حملته الشهيرة التي وقف فيها على بحر المحيط بالمغرب الأقصى، حيث أدخل فرسه وسحب رايةً من كنانةٍ في سرجه كتب عليها “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، فرفعها بيمينه، وشدّ لجام فرسه بيساره، وهو واقف بكل ثقله على ركابه، ويزمجر بكل قوة بصوتٍ شق السماء والفضاء و الأفق والأرض والتاريخ قائلاً (والله يا بحر الظلمات، لو كنت أعلم أن خلفك أرضا عليها بشر لخضتك حتى أحكمهم بلا إله إلا الله محمد رسول الله أو أموت دون ذلك ..).

الروايات الشفوية

لذلك ونحن نقف على تلك الروايات الشفوية التي توارثناها عن آبائنا وأجدادنا وهي تُقَص علينا وتحدد لنا قبورا حفظت باسم (قبر الصحبي) ومن نماذجها مقبرة (عبد الله الحاج) الموجودة في ناحية الشارف (التوازي) والتي تشير الروايات المتواترة بشأنها أنها تعود الى عهد الفتوحات الإسلامية، وأن تسميتها بذلك الاسم هو نسبة لصحابي يدعى (عبد الله) وهو أحد الفاتحين الذي أصيب في إحدى معارك الفتح وطلب من أصدقائه حمله على حصانه ودفنه حيث يموت، فصار قدره بالمكان الذي يحاذي اليوم (وادي الحاجية) والبعيد عن حمام الشارف بحوالي 06 كلم، و تفسير ذلك أن جيش عقبة الذي مرّ عبر أرض الجلفة، قد كان مساره عبر تلك المنطقة وناحية (القديد) مرورا إلى تاهرت حيث المعركة الشهيرة التي ذكرنا، ونظرا لكل الظروف الصعبة التي كانت تحيط بالفتح الإسلامي فإن استشهاد رجال الجيش جراء إصاباتهم أو مرضهم فإنهم يدفنون حيث ماتوا فسعدت هذه الأرض بوجود أمثال هؤلاء في ثرى أرضها فحفظت قبورهم باسم (قبر الصحبي).

كما ازدادت أهمية منطقة الجلفة في الفترة الحديثة والمعاصرة سواء في المرحلة العثمانية حينما كانت منتفضة في الكثير من الأحيان على السياسة العثمانية اتجاههم خصوصا ما تعلق بإرهاق كاهلهم بالدفع المادي المستمر دون امتيازات أو خدمات ترجع بالفائدة لأهل المنطقة التي باتت لا تمثل شيئا في هذه المرحلة سوى أنها مورد من موارد بيت المال، أو أثناء المقاومات الشعبية للاحتلال الفرنسي حينما برزت هذه المنطقة بامتياز في الدفاع عن الوطن إمّا بدعم مجمل المقاومات الشعبية أو بالمبادرة بمقاومات محلية، ومن بعدها مرحلة الحراك السياسي والعلمي حينما أصبحت قبلة لرجال الإصلاح وشيوخ العلم سواء من داخل أو خارج الوطن ثم أثناء مرحلة الثورة التحريرية التي دفعت فيها المنطقة ثمنا غاليا في مواجهة الاحتلال.

وإن نقص الكتابة عن هذه المنطقة في ما كُتب عن تاريخ الجزائر ليس معناه أنها لم تكن جزءا في الأحداث التاريخية التي مرّت بها الجزائر باعتبار أن الأصول التاريخية يوما بعد يوم تكشف لنا مدى الدور البارز لهذه المنطقة في الحراك الوطني بصفة عامة. وإنما نفسّرها بالتقصير في الكتابة عنها، وإن ما قاله لي شخصيا شيخ المؤرخين في الجزائر “أبو القاسم سعد الله” عليه رحمة الله يؤكد ذلك حينما قال: (إنني قصّرت اتجاه منطقة الجلفة وأهلها وإذا أمدّ الله في عمري لأجتهدن في معالجة ذلك التقصير)، وهذا التقصير الذي تكلّم عنه شيخنا هو ما كنا نشعر به دائما إذ كلما قرأنا مؤلفا تاريخيا عن الجزائر أو تمعنّ في برامج التعليم الموجهة إلاّ وما وجدنا لتاريخ منطقتنا فيه ذكر. لكن في مقابل ذلك نجد أن الأصول التاريخية تظهر لنا غير ذلك كله سواء ماهو شاهد حيّ من خلال الرجال 

أو تلك الآثار أو من خلال الوثائق الأرشيفية التي تظهر يوما بعد يوم خصوصا حينما أصبح أبناء العلم في منطقتنا يقلّبون وثائق الأرشيف بأنفسهم، و غيرها من الأصول التي حفظت لنا حياة تاريخ المنطقة لأنه إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ معها.

عقبات كئود

وفي مقابل ذلك ينبغي أن ندرك بأن البحث عن تاريخ منطقة الجلفة عموما تعترضه عقبات كأداء مصدرها الأساسي هو قّلة الدراسات والكتابات المتخصصة في دراسة تاريخ هذه المنطقة إلاّ ما وُجد من مصادر مادية ومن شذرات في ثنايا كتب الأنساب أو تلك الأعمال المثمنة التي جادت بها اجتهادات أبناء هذه المنطقة في كتابة تاريخها رغم أنها لم تكتسِ حُلة الطرح العلمي في كل جوانبه البحثية وكذا اقتصارها على مواضيع محددة غُيّبت فيها العديد من المجالات. إذ اقتصر طرحها في العديد من الأحيان على الأنساب والأعلام وغاب فيها التاريخ الاجتماعي والاقتصادي وحتى الإطار السياسي المنظم وغيرها من الجوانب، والظاهر أن الموروث الشفوي لتاريخ المنطقة المعتمد على الذاكرة كان هو المصدر الأبرز في الكتابة لديهم لكن عدم الانتباه لضرورة وضع هذه المادة الشفوية تحت ضوء التحقيق العلمي ومقابلته بالتمحيص والتدقيق والمقابلة وكذا عدم الاهتمام بالرصيد المادي من قبل الطبقة المتخصصة كباحثي التاريخ وعلم الآثار من أبناء المنطقة أذهب عنا شغف التنقيب عن الأصول وهو الأمر الذي أنقص الطابع العلمي في كتاباتنا لتاريخ المنطقة. وهو ما يستوجب جهدا جديدا في إعادة كتابة هذا التاريخ وفق المنهج العلمي بالاعتماد على الأصول المغذية لكتابة تاريخ المنطقة وما يتطلب ذلك من الانتباه والتحري والتدقيق في اكتساب تلك الأصول باعتبار أنه إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ معها. وأعظم ركائز تلك الأصول هو الجانب الشفوي في الرواية التاريخية الذي يعد مصدرا أساسيا يُرجَع إليه وينبغي أن لا نهمله ولكن في ظل منهج التحقيق العلمي، لأنه في الكثير من الأحيان يستوجب هذا المنهج ضرورة الاجتهاد في مل ء الفراغ المؤثر في الحدث التاريخي لكن وفق مواصفات وآليات متفق عليها علميا.

إضافة إلى كل ذلك هناك جانب آخر من الرواية لا يمكن زيادة فهم تاريخ المنطقة بصفة أكمل إلاّ من خلاله والمقصود هنا الكتابات الفرنسية حول تاريخ المنطقة، هذه الكتابات التي ينبغي أن نضعها في حيّزها الخاص من التعامل دون إهمالها لأنه يمكننا بتعاملنا العلمي معها أن نستعين بها في بناء القراءة التاريخية للمنطقة. لكن قبل الغوص في هذه الرواية الفرنسية يجدر بنا أن نفهم أصلا مسألة الكتابات الفرنسية حول الجزائر من أجل وضع الباحثين في صورة هذه الكتابات حتى نقف وقفة ما بعد النص أو الوثيقة وإظهار حقيقة هذه الكتابات بين ظاهرها العلمي وباطنها الاحتلالي وذلك من خلال نموذج صورتها في هذه القراءة حول منطقة الجلفة.

لكن ينبغي أن ندرك قبل الإجابة عن هذا الإشكال بأنه لا يمكن فهم كُنه الكتابات الفرنسية حول منطقة الجلفة إلاّ من خلال فهم تلك الدوافع التي جعلتهم يكتبون والتي تقوم على أساس حقيقتين مهمتين :

 

فهم تركيبة المجتمع تسهيلا لتحقيق القابلية التامة للاحتلال

 

الثانية ـــــــ العمل على ربط هذا المجتمع بالمجتمع الغربي وقطع جميع حبال وصاله مع مجتمع الشرق، باعتبار أن العقلية الفرنسية في جوهرها كانت تقوم على أساس أنهم شعب قوي تغلب على شعب ضعيف، وكونهم أهل حضارة جاءوا إلى شعب متخلف، وكونهم مسيحيين قبضوا على زمام  شعب مسلم. وهذه المعطيات كلها متفرقة كانت أو مجتمعة، هي التي قررت نوعا من  الحتمية التاريخية عندهم.

 ولمّا تغلغلوا في أرضها ومجتمعها، حرصت الحكومة الفرنسية أن تضم في حملاتها العسكرية بعض رجال الإعلام و الثقافة لاستخدامهم في ميادين اختصاصهم وتجسّد ذلك انطلاقا من سنة 1833 لمّا أدركت فرنسا أنها لا يمكن تطويع الشعب الجزائري بالكامل وتحقيق  القابلية التامة فيه   للاحتلال إلاّ إذا تعرفوا بعمق عن المنظومة القيمية بمختلف جوانبها لهذا المجتمع وقراءتها وفهمها اجتماعيا وثقافيا. لذلك قامت لجان من الطبقة المثقفة بدراسة الشعب الجزائري ومحاولة التحكم في ثروته العلمية والثقافية وحتى ما تعلق بمخلفاته الأثرية والعمرانية، باعتبار أن المصادر الفرنسية كانت تشهد أن صورة المجتمع الجزائري، لدى رواد الغزو، كانت تصدر عن الخيال أكثر مما تصدر عن الواقع.

وقد عبر بعضهم عن هذه الصورة الغامضة  بـ “السراب الجزائري” Mirage algérien الذي استمر طويلا بعد هذا التاريخ. وقد كتب “شارل تايارد” Charle Taillard يقول: « لم تكن فرنسا تعرف عن الدولة الجزائرية سنة 1830 إلا الشيء القليل”، أو هي لا تكاد تعرف عنها شيئاً بالمرة، لذلك بادروا إلى  إنشاء اللجان العلمية التي يمكن من خلالها فهم حقيقة وواقع المجتمع الجزائري ومن تلك اللجان نجد “اللجنة الأفريقية”، التي زارت الجزائر سنة 1833 بقصد التحقيق في مصير الجزائر، حيث قامت بزيارات ولقاءات مكّوكية حتى مع بعض أعلام وأعيان الجزائر وانتهت أعمالها بتقارير ومحاضر عن الجزائر في مختلف المجالات، ولاسيما الاقتصادية والاجتماعية. وفي سنة 1837 أنشأت وزارة الحربية لجنة باسم اكتشاف الجزائر العلمي، والتي قامت بنشر دراسات هامة في عدة أجزاء عن الآثار والعلوم الطبيعية والفنون الجميلة والتاريخ وعلم السلالات، وكذلك قام العديد من الأفراد بالبحث ونشر أعمالهم في التاريخ المحلي عن اللهجات والطرق والنظم وطبائع السكان والحياة القبلية والمدن.كما اهتموا بالدراسات الإسلامية والزوايا والطرق الصوفية ورجال الدين ذوي النفوذ الروحي.

وقد شارك في هذه اللجنة كتّاب عسكريون أمثال (كاريت) و(بيليسي) و(هانوتو). فنجد (كاريت) قد كتب عن القبائل الجزائرية وعن العلاقات الاقتصاية بينها،  وكتب (بيليسي دي رينو) كتابه “أخبار الجزائر” الذي أرّخ فيه للثماني عشرة سنة الأولى من الاحتلال. كما كتب (هانوتو) عن لهجات ونظم الجزائريين أما (دي سلان) فقد ترجم “تاريخ ابن خلدون” و”جغرافية البكري” وغيرهما، وأختص الضابط (بروسلار) بالخط العربي، وقام (فورنيل) بكتابة تاريخ شمال إفريقيا في العصور الوسطى، أما (لاكروا) فقد نشر دراسات عن الاستعمار والإدارة الرومانية في إفريقيا. ومن كُتاب هذا العهد كان أيضا (بير بروجر) الذي ملأ “المجلة الأفريقية” بمقالاته عن أخبار الجزائر سواء التي جمعها مباشرة أو التي ترجمها عن كُتّاب مسلمين مثلما فعل مع “رحلة العياشي”. بالإضافة إلى منشورات أخرى حول كتب الرحلات والانطباعات التي كتبها الأوروبيون عن الجزائر خلال العهد العثماني، مثل(شيلر) و(بانانتي) و(رونودو) و(هايدو) و(فانتوردي بارادي). ومن جهة أخرى تم نشر مراسلات دايات الجزائر مع حكام فرنسا ومذكرات وتقارير القناصل والجواسيس الفرنسيين أمثال (دوبوا) و(تانفيل) و(بوتان) و(كيرسي). 

تحقيق السيطرة والاحتلال

وكان الهدف البعيد من وراء كل هذه الدراسات هو تحقيق السيطرة والاحتلال من خلال لملمة الآثار المكتوبة وغير المكتوبة وتمحيصها واستخلاص النتائج منها وفي هذا الشأن نجد أن بعض الفرنسيين قد لجأوا حتى إلى الاستعانة ببعض الكتاب الجزائريين من ذلك: ما ترجمه “ابن أبي شنب” و “الحفناوي” بدعم من الحاكم “جونار” و ماكتبه كل من “العنتري” و”ابن مبارك” عن علماء وهران و تلمسان …. وغيرها من الأعمال.  

Laisser un commentaire